حسن الأمين

37

مستدركات أعيان الشيعة

فقال المهدي : معنى سوء عليك لعنة الله ! أترى إلى هذا الشعر ؟ . إنه من طبيعة « شعر الزهد » : شعر أبي العتاهية فهل هو الزهد حقا ، أو هي الفرصة السانحة يقرع فيها سمع الخليفة بحقيقة أمره ؟ . ثم ، أترى كيف انتفض الخليفة لهذه « الغمزة » ، وكيف خشي الناس أن يرووا هذا « الهجاء » وان يثير فيهم كوامن ما تنطوي عليه جوانحهم من غيظ ؟ وقالوا إن أبا عبيد الله دخل على المهدي ، وكان غاضبا منه ، وأبو العتاهية حاضر ، فجعل المهدي يشتم أبا عبيد الله ويتغيظ عليه ، ثم أمر به فجروه برجله وحبسوه ، ثم أطرق المهدي طويلا ، فلما سكنت نفسه أنشده أبو العتاهية : أرى الدنيا بمن هي في يديه عذابا كلما كثرت لديه تهين المكرمين لها بصغر وتكرم كل من هانت عليه إذا استغنيت عن شيء فدعه وخذ ما أنت محتاج إليه فهذا شعر إذا جردته من هذه المناسبة ، وجدته وعظا خالصا ، يخيل لقارئه أو سامعه ان صاحبه شاعر يتزهد في الدنيا ، ولكن كيف تراه في مناسبته هذه ؟ . أيدلك على زهد الشاعر ، أم يدلك ان الشاعر قد واتته المناسبة ليبعث بصوت المجتمع إلى نفس الخليفة وهو يظلم رجلا من هذا المجتمع على هذا الوجه الذي عرفته ؟ وهكذا كان موقف أبي العتاهية من الهادي ، والرشيد ، والمأمون ، ينتهز مثل هذه الفرص السوانح ، ليلقي إلى سرائرهم بهذا الصدى الذي يضج في نفوس الجماهير ، ثم يجد وسيلته إلى التعبير عن نفسه في لسان شاعر تسنح له مثل هذه الفرص في لقاء الخلفاء وأهل السلطان وسائر العلية المستأثرين بالترف والنعماء ، وما يمنعني عن سرد الشواهد على ما أقول غير تجنب الإطالة ، ولكن شاهدا واحدا أراه يغالبني ، فلا أستطيع رده : قالوا إن القاسم بن الرشيد ، مر في موكب عظيم ، وأبو العتاهية جالس مع قوم على قارعة الطريق ، فقام أبو العتاهية حين رآه ، احتراما له ، فلما اجتازه الموكب ، أنشد : يتيه ابن آدم من جهله كان رحى الموت لا تطحنه فبلغ القاسم ذلك ، فبعث إلى أبي العتاهية وضربه مائة مقرعة ، - ( أي مائة سوط ) - وقال له : « أتعرض بي في مثل ذلك الموضع ؟ » . ثم حبسه في داره ، فدس أبو العتاهية إلى زبيدة هذه الأبيات : حتى متى ذو التيه في تيهه أصلحه الله ، وعافاه يتيه أهل التيه من جهلهم وهم يموتون ، وإن تاهوا من طلب العز ليبقى به فان عز المرء تقواه لم يعتصم بالله ، من خلقه ، من ليس يرجوه ويخشاه فالقاسم - إذن - قد غاظه أن يكون التعريض به في ذلك الموضع حيث يسمع نفر من عامة الناس على قارعة الطريق ، وهو كذلك لا يرى بأسا عليه أن ينتقم لنفسه فيضرب شاعرا ، كأبي العتاهية ، ذا قدر في الناس ومنزلة ، مائة سوط ، ثم يحبسه ، وهل ذاك إلا لأن هؤلاء « العلية » كانوا يخشون انتشار مثل هذا القول في الناس ، وإلا لأن شعر أبي العتاهية كان يسير في الناس ويشيع لأنه يعبر عنهم ، لا عن ذاته « الفردية » ولا عن نزعة سلوكية إلى الزهد وكراهة الدنيا ؟ غرام أبي العتاهة ( 1 ) هذه قصة حب استغرقت من حياة صاحبها أكثر من عشرين سنة ، وهو على هذا الحب مقيم ، ولصاحبته في إلحاح مستديم ، لقي في سبيله ألوانا من الاعنات والإيلام ، وتجشم من أجله صنوفا من المذلة والهوان ، وعلى الرغم من ذلك كله لم يظفر بصاحبته ، ولم تصل به جميع السبل التي طرقها إلى غايته منه . في هذه القصة تصدق نظرية المحبين التي تقول ان الحب يبدأ مازحا عابثا ، ثم لا يلبث أن يتحول إلى جد خالص وبلاء لازم ، والتياع دائم ، والم دفين ، وفي ذلك يقول صاحبنا الشاعر المحب أبو العتاهية : بليت ، وكان المزح بدء بليتي فأحببت حقا ، والبلاء له بدو والذين يعرفون أبا العتاهية معرفة عابرة انما يعرفون فيه الجانب الأشهر من حياته وسلوكه وشعره ، وهو جانب الزهد الذي ترك فيه - على حد قول المؤرخين - نحوا من عشرين ألف بيت من الشعر ، لم تصلنا كلها بطبيعة الحال ، ولكن وصلنا منها قدر يكفي أن يكون ديوانا لا بأس به من الشعر الزهدي . ومع ذلك فلأبي العتاهية قصة غرام طويلة مع احدى جواري الخليفة المهدي ، أو هي كانت - على وجه الدقة - جارية للخيزران زوجة المهدي وأم الخليفتين الهادي والرشيد . وقصة الغرام هذه ، بين شاعر الخليفة أبي العتاهية وجاريته عتبة ، ثمينة بالتسجيل والوقوف عندها بالأقلام التي سجلت قصص غيره من الشعراء المحبين ، ممن احتفل التاريخ بروعة حبهم ، على اختلاف في نوع هذا الحب ودرجته ، تبعا لاختلاف الظروف والملابسات والبيئات والأجناس . ان أبا العتاهية ، وهو الشاعر المتحضر في عصره ، الذي نشا في سهول العراق ، وعاش في مدينة بغداد الكبيرة ، أحب واحدة من الإماء تشبهه في جنسه ومكانه الهين من المجتمع حين ذاك . ولم تخل قصة أبي العتاهية من عناصر التضحية والروعة والاستمرار والإلحاح ، بحيث كانت فريدة في عصرها ، فريدة في بابها بين أترابه من شعراء ذلك العصر ، إذ لا نكاد نظفر بواحد من هؤلاء الشعراء لم يحب ، ولم يتيم بأكثر من واحدة من الجواري اللائي انتشرن في القصور ومنازل الأمراء والقواد والوجهاء ، ودور اللهو والعبث ، وامتزن بملاحة الوجه ومياسة القد وعذوبة الصوت واتساع الثقافة أحيانا . إن أبا العتاهية لم يرد عنه أنه أحب واحدة سوى عتبة ، منذ رحل عن الكوفة ونزل بغداد ، حيث رآها فاغرم بها - ونترك له الحديث ليروي لنا كيف « وقع » له حبها وكيف احتال فيه شتى الحيل - انه يقول : « قدمنا من الكوفة ثلاثة فتيان شبابا أدباء ، وليس لنا ببغداد من نقصده . فنزلنا بالقرب من الجسر . وكنا نبكر فنجلس في المسجد الذي بباب الجسر في كل غداة ، فمرت بنا يوما امرأة راكبة معها خدم سودان ، فقلنا : من هذه ؟ قالوا : خالصة ، فقال أحدنا : قد عشقت خالصة ، وعمل فيها شعرا ، فاعناه عليه . ثم لم نلبث أن مرت أخرى راكبة معها خدم

--> ( 1 ) مقال الدكتور محمد محمود الدش